المقريزي
28
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
المرتاحية ، فإلى يومنا هذا فيما بين سويقة أمير الجيوش وباب القنطرة زقاق يعرف بدرب الفرحية ، والفرحية كانت طائفة من جملة عبيد الشراء ، وكانت عبيد الشراء عدّة طوائف وهم : الفرحية والحسينية والميمونية ينسبون إلى ميمون وهو أحد الخدّام . حارة فرج بالجيم : كانت تعرف قديما بدرب النميري ، ثمّ عرفت بالأمير جمال الدين فرج من أمراء بني أيوب . وهي الآن داخلة في درب الطفل من خط قصر الشوك . حارة قائد القوّاد : هذه الحارة تعرف الآن بدرب ملوخيا « 1 » ، وكانت أوّلا تعرف بحارة قائد القوّاد ، لأن حسين بن جوهر الملقّب قائد القوّاد كان يسكن بها فعرفت به . وهو حسين بن القائد جوهر أبو عبد اللّه الملقّب بقائد القوّاد . لما مات أبوه جوهر القائد خلع العزيز بالله عليه وجعله في رتبة أبيه ولقّبه بالقائد بن القائد ، ولم يتعرّض لشيء مما تركه جوهر ، فلمّا مات العزيز وقام من بعده ابنه الحاكم استدناه ثم إنه قلّده البريد والإنشاء في شوّال سنة ستّ وثمانين وثلاثمائة ، وخلع عليه وحمله على فرس بموكب ، وقاد بين يديه عدّة أفراس ، وحمل معه ثيابا كثيرة . فاستخلف أبا منصور بشر بن عبيد اللّه بن سورين الكاتب النصرانيّ على كتابة الإنشاء ، واستخلف على أخذ رقاع الناس وتوقيعاتهم أمير الدولة الموصلي . ولما تقلّد برجوان النظر في تدبير الأمور وجلس للوساطة بعد ابن عمّار . كان الكافة يلقونه في داره ويركبون جميعا بين يديه من داره إلى القصر ما خلا القائد الحسين ومحمد بن النعمان القاضي ، فإنهما كانا يسلّمان عليه بالقصر فقط . فلما قتل الحاكم الأستاذ « 2 » برجوان كما تقدّم خلع على القائد حسين لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة تسعين وثلاثمائة ثوبا أحمر وعمامة زرقاء مذهّبة ، وقلّده سيفا محلّى بذهب ، وحمله على فرس بسرج ولجام من ذهب ، وقاد بين يديه ثلاثة أفراس بمراكبها ، وحمل معه خمسين ثوبا صحاحا من كلّ نوع ، وردّ إليه التوقيعات والنظر في أمور الناس وتدبير المملكة كما كان برجوان ، ولم يطلق عليه اسم وزير ، فكان يبكّر إلى القصر ومعه خليفته الرئيس أبو العلاء فهد بن إبراهيم النصراني - كاتب برجوان - فينظران في الأمور ثمّ يدخلان وينهيان الحال إلى الخليفة ، فيكون القائد جالسا وفهد من خلفه قائما . ومنع القائد الناس أن يلقوه في الطريق أو يركبوا إليه في داره وأنّ من كان له حاجة فليبلغه إياها بالقصر ، ومنع الناس من مخاطبته في الرقاع بسيدنا ، وأمر أن لا يخاطب ولا يكاتب إلا بالقائد فقط ، وتشدّد في ذلك لخوفه من غيرة الحاكم ، حتّى أنّه رأى جماعة من القوّاد الأتراك قياما على الطريق ينتظرونه ، فأمسك عنان فرسه ووقف وقال لهم : كلّنا عبيد مولانا صلوات اللّه عليه
--> ( 1 ) في النجوم الزاهرة 4 / 52 : درب ملوخية منسوب لأمير اسمه ملوخية ، كان صاحب ركاب الخليفة الحاكم بأمر اللّه العبيدي ، وكان يعرف بملوخية الفرّاش - أحد فرّاشي القصر . ( 2 ) في النجوم الزاهرة 2 / 193 : أستاذ من الألقاب العامة التي استعملت في العصر العباسي ، وأطلقت على الخصيان المسمّين : الطواشية .